الشوكاني
429
فتح القدير
وابن كثير في رواية عنه بنصبهما على الحال أو على الذم ، وقوله ( تصلى نارا حامية ) خبر آخر للمبتدأ : أي تدخل نارا متناهية في الحر ، يقال حمي النهار وحمى التنور : أي اشتد حرهما . قال الكسائي : يقال اشتد حمى النهار وحموه بمعنى . قرأ الجمهور " تصلى " بفتح التاء مبنيا للفاعل . وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر بضمها مبنيا للمفعول . وقرأ أبو رجاء بضم التاء وفتح الصاد وتشديد اللام ، والضمير راجع إلى الوجوه على جميع هذه القراءات ، والمراد أصحابها كما تقدم ، وهكذا الضمير ( تسقى من عين آنية ) والمراد بالعين الآنية : المتناهية في الحر ، والآنى : الذي قد انتهى حره ، من الإيناء بمعنى التأخر ، يقال آناه يؤنيه إيناء : أي أخره وحبسه كما في قوله - يطوفون بينها وبين حميم آن - قال الواحدي : قال المفسرون : لو وقعت منها نطفة على جبال الدنيا لذابت . ولما ذكر سبحانه شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال ( ليس لهم طعام إلا من ضريع ) هو نوع من الشوك يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطبا ، فإذا يبس فهو الضريع . كذا قال مجاهد وقتادة وغيرهما من المفسرين . قيل وهو سم قاتل ، وإذا يبس لا تقربه دابة ولا ترعاه ، وقيل هو شئ يرمي به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام ، لا من أقوات الناس ، فإذا رعت منه الإبل لم تشبع وهلكت هزالا . قال الخليل : الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمي به البحر . وجمهور أهل اللغة والتفسير قالوا : بالأول ، ومنه قول أبي ذؤيب : رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوي * وعاد ضريعا بان عنه التحايص وقال الهذلي يذكر إبلا وسوء مرعاها : وحبسن في هرم الضريع وكلها * قرناء دامية اليدين جرود وقال سعيد بن جبير : الضريع الحجارة ، وقيل هو شجرة في نار جهنم . وقال الحسن : هو بعض ما أخفاه الله من العذاب . وقال ابن كيسان : هو طعام يضرعون عنده ويذلون ويتضرعون إلى الله بالخلاص منه ، فسمي بذلك لأن آكله بتضرع إلى الله في أن يعفى عنه لكراهته وخشونته . قال النحاس : قد يكون مشتقا من الضارع وهو الذليل : أي من شربه يلحقه ضراعة وذلة . وقال الحسن : أيضا : هو الزقوم ، وقيل هو واد في جهنم ، وقد تقدم في سورة الحاقة - فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين - والغسلين غير الضريع كما تقدم ، وجمع بين الآيتين بأن النار دركات ، فمنهم من طعامه الضريع ، ومنهم من طعامه الغسلين . ثم وصف سبحانه الضريع فقال ( لا يسمن ولا يغني من جوع ) أي لا يسمن الضريع آكله ولا يدفع عنه ما به من الجوع . قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية . قال المشركون : إن إبلنا تسمن من الضريع ، فنزلت ( لا يسمن ولا يغني من جوع ) وكذبوا في قولهم هذا ، فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه . وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبات النافع . ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال ( وجوه يومئذ ناعمة ) أي ذات نعمة وبهجة ، وهي وجوه المؤمنين صارت وجوههم ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وما أعده الله لهم من الخير الذي يفوق الوصف ، ومثله قوله - تعرف في وجوههم نضرة النعيم - ثم قال ( لسعيها راضية ) أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية ، لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها وقرت به عيونها ، والمراد بالوجوه هنا أصحابها كما تقدم ( في جنة عالية ) أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة ، أو عالية القدر لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ( لا تسمع فيها لاغية ) قرأ الجمهور " لا تسمع " بفتح الفوقية ونصب لاغية : أي لا تسمع أنت أيها المخاطب ، أو لا تسمع تلك الوجوه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتحتية مضمومة مبنيا للمفعول ورفع